الشيخ محمد رشيد رضا

363

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المستقلون من أولي الامر ، فلهذا بينوا ما وصل اليه اجتهادهم ، ليسهلوا على الحكام من أولي الامر فهم النصوص ، ويمهدوا لهم طرق الاجتهاد . ولهذا اختلفت الأقوال . ولو كان مسلمو هذا العصر كمسلمي السلف لفعل أئمتهم كما كان يفعل عمر بن الخطاب في خلافته من جمع أولي الامر ( أهل الحل والعقد من العلماء وكبراء الصحابة ) للتشاور في كل ما لا نص فيه ولا سنة متبعة . ولاستشاروهم في تقدير هذه العقوبات بقدر تأثير المفاسد وضررها . وانفذوا ما يتقرر بعد الشورى في كل ما حدث من فروع هذه المفاسد . ( راجع تفسير « 4 : 58 أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » ص 181 - 221 ج 5 ) وعلم بهذا الذي قررناه ان كل قول قاله علماء السلف له وجه ، وان رد بعضهم قول بعض . فمن قال إن الامام مخير فوجهه ما يدل عليه العطف بأو ، لا يعني بالتخيير ان له الحكم بالهوى والشهوة ، بل بالاجتهاد ومراعاة ما تدرأ به المفسدة ، وتقوم المصلحة ، ولا ينافي ذلك المشاورة في الامر ، كيف وهي القاعدة الأساسية للحكم ؟ ومن وضع كل عقوبة بإزاء عمل من اعمال المفسدين فإنما بين رأيه واجتهاده في الحكم الذي يدرأ المفسدة وتقوم به المصلحة ، كما يبينون فهمهم واجتهادهم في غير ذلك من المسائل ، ولا يوجبون بل لا يجيزون لاحد من حاكم أو غيره ان يتخذ فهمهم أو رأيهم دينا يتبع ، وانما هو إعانة للباحث والناظر على العلم ، فان المستقل في طلب العلم إذا نظر في مسألة لم يعرف لغيره رأيا فيها ، يكون مجال نظره أضيق من مجال من عرف أقوال الناس وآراءهم ، وكم من عالم مجتهد قال في مسألة قولا ثم رجع عنه بعد وقوفه على قول غيره من العلماء ، إما إلى رأيهم وإما إلى رأي جديد ؟ وعلى هذه القاعدة كان للشافعي مذهب قديم ومذهب جديد . فلا يغرنك قول بعض العلماء المستقلين إن أكثر ما قالوه ليس له أصل من كتاب ولا سنة « 1 » إذا علمت هذا فهاك اشهر أقوال الفقهاء في المسألة . قال صاحب ( المقنع ) من كتب الحنابلة في باب قطاع الطريق : وإذا قدر عليهم فمن كان منهم قد قتل من يكافئه واخذ المال قتل حتما وصلب حتى يشتهر ، وقال أبو بكر ( من فقهائهم )

--> ( 1 ) هو صديق حسن خان رحمه اللّه تعالى قال هذا في تفسيره فتح البيان